محمد بن جرير الطبري

87

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

حتى إذا دخلوا هيئوا الهرمزان في هيئته ، فالبسوه كسوته من الديباج الذي فيه الذهب ، ووضعوا على رأسه تاجا يدعى الاذين ، مكللا بالياقوت ، وعليه حليته ، كيما يراه عمر والمسلمون في هيئته ، ثم خرجوا به على الناس يريدون عمر في منزله فلم يجدوه ، فسألوا عنه ، فقيل لهم : جلس في المسجد لوفد قدموا عليه من الكوفة ، فانطلقوا يطلبونه في المسجد ، فلم يروه ، فلما انصرفوا مروا بغلمان من أهل المدينة يلعبون ، فقالوا لهم : ما تلددكم ! ؟ تريدون أمير المؤمنين ؟ فإنه نائم في ميمنه المسجد ، متوسد برنسه - وكان عمر قد جلس لوفد أهل الكوفة في برنس ، فلما فرغ من كلامهم وارتفعوا عنه ، واخلوه نزع برنسه ثم توسده فنام - فانطلقوا ومعهم النظارة ، حتى إذا راوه جلسوا دونه ، وليس في المسجد نائم ولا يقظان غيره ، والدرة في يده معلقة ، فقال : الهرمزان : اين عمر ؟ فقالوا : هو ذا ، وجعل الوفد يشيرون إلى الناس ان اسكتوا عنه ، واصغى الهرمزان إلى الوفد ، فقال : اين حرسه وحجابه عنه ؟ قالوا : ليس له حارس ولا حاجب ، ولا كاتب ولا ديوان ، قال : فينبغي له ان يكون نبيا ، فقالوا : بل يعمل عمل الأنبياء ، وكثر الناس ، فاستيقظ عمر بالجلبه ، فاستوى جالسا ، ثم نظر إلى الهرمزان ، فقال : الهرمزان ؟ قالوا : نعم ، فتأمله ، وتأمل ما عليه ، وقال : أعوذ بالله من النار ، واستعين الله ! وقال : الحمد لله الذي أذل بالإسلام هذا وأشياعه ، يا معشر المسلمين ، تمسكوا بهذا الدين ، واهتدوا بهدى نبيكم ، ولا تبطرنكم الدنيا فإنها غراره فقال الوفد : هذا ملك الأهواز ، فكلمه ، فقال : لا ، حتى لا يبقى عليه من حليته شيء ، فرمى عنه بكل شيء عليه الا شيئا يستره ، والبسوه ثوبا صفيقا ، فقال عمر : هيه يا هرمزان ! كيف رايت وبال الغدر وعاقبه امر الله ! فقال : يا عمر ، انا وإياكم في الجاهلية كان الله قد خلى بيننا وبينكم ، فغلبناكم إذ لم يكن معنا ولا معكم ، فلما كان معكم